أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )
101
الرياض النضرة في مناقب العشرة
قالت : فو اللّه ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي « 1 » يومئذ - خرجه ابن إسحاق ولم يعلم أحد فيما بلغني بخروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا علي بن أبي طالب ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبره بخروجه وأمره ان يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الودائع « 2 » التي كانت عنده للناس ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من أمانته وصدقه ، فلما أجمع على الخروج أتى أبا بكر فخرج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمد إلى غار بثور : جبل بأسفل مكة ، وأمر أبو بكر عبد اللّه بن أبي بكر أن يستمع لهما ما يقول الناس نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون من الخبر . وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار ، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما ، فأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الغار ثلاثة أيام ومعه أبو بكر ، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم ، حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس ، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما وبعير له ، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فتحل بطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به فكان يقال لها ذات النطاق لذلك . قال ابن هشام : وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول ذات النطاقين وتفسيره أنها شقت نطاقها باثنتين فعلقت السفرة بواحدة وانتطقت بالأخرى وعن أسماء أنها قالت : صنعت سفرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت أبي
--> ( 1 ) كما قال الشاعر : هجم السرور عليّ حتى أنّه * من فرط ما قد سرّني أبكاني يا عين قد سار البكا لك عادة * تبكين من فرح ومن أحزان ( 2 ) : وإيداع الودائع عنده : صلّى اللّه عليه وسلّم ، وردها عند هجرته إلى أهلها - من أقوى الأدلة على أمانته .